من هو الجوكر
JOKER
قديما كان يتبادر إلى الذهن جوكر ورق اللعب الورقة الرابحة في ألعاب عدة و لكنه اليوم في أذهاننا جميعا المجرم المختل عدو البطل باتمان و قد قدمته لنا السينما الهوليوودية بنسخ مختلفة منها ما هو بسيط و منها ماهو معقد فما هي حقيقة الجوكر؟
في قصص الكوميكس القديمة نشأ الجوكر من سقوطه في مستوعب كيميائي شوه وجهه و لون شعره باللون الأخضر و أصيب بالجنون تبعا لذلك، لكن هذه الشخصية تطورت لتأخذ أبعادا أكثر ظلمة من الناحية النفسية و العقلية و أشهر نسختين منه تلك التي قدمها الممثل الراحل هيث ليدجر و النسخة الجديدة لخواكيم فينيكس فما الفارق بينهما؟
سأتحدث عن تطور هذه الشخصية نفسيا من ناحية الصورة الفوتوغرافية رغم أنها نسخة فيلمية و لكن كل ثانية فيلمية هي حقيقة / 24 / لقطة فوتوغرافية فما التطور الذي حصل لهذه الشخصية على صعيد التقديم البصري الذي يدعم التطور النفسي المعقد لها.
نرى في النسخة الأحدث لخواكيم بداية تشكل الجوكر بعكس نسخة هيث التي قدمت الجوكر في صورته النهائية التي ختم فيها تطوره النفسي المرضي و تبدأ القصة في نسخة خواكيم مع رجلٍ من الطبقة الفقيرة يعمل ممثلا هزليا لكنه فاشل يعاني اضطرابات نفسية عدة نشأت من طفولة معقدة و أم تبالغ في حمايته و مجتمع يهمشه و هو الرجل الأبيض الذي يتوقع أن يكون في موقع معين من مجتمعه و عند حرمانه من هذا الموقع الذي افترضه لنفسه نراه يفتعل أحداث شغب و يبدأ بالقتل و التحول من حالة الكبت و العلاج إلى إطلاق العنان لمخيلته المريضة التي يستبيح بها محيطه و نجد أن المخرج قد استخدم في لقطاته ترتيبا معينا للون تراوح بين ثلاثة ألوان :
تدرجات البرتقالي و الأزرق و الأخضر معتمدا قاعدة المثلث في اختيار اللون كالمثال التالي:
و سبب اختياره لهذه التدرجات يعود إلى الرمزية الشعورية لكل لون:
فالبرتقالي لون يدل على الحالة الانتقالية أي أنه ليس لونا جازما نراه في الحياد دائما بين البينين دون اعتماد جهة محددة و هذا ما يحصل مع الجوكر في بداية تحوله فهو ليس المجرم المختل و لكنه ليس الإنسان الطبيعي
الأخضر يدل على الجشع و الرغبة في الحصول على شيء ما دون الشبع و الجوكر عطش للإحساس بوجوده و ذاته التي سحقها المجتمع فحاجته لإثبات الذات أصبحت هوسا مرضيا
الأزرق يدل على تبلد المشاعر و الاكتئاب و الوحدة و هي أعراض أساسية تعاني منها شخصية الجوكر منذ طفولتها
اذا فقد استخدم المخرج هذه الألوان و تدرجاتها في معظم المشاهد للمرحلة الأولى من تكون شخصية الجوكر في بيئته المحيطة كما المثال التالي
و هنا نرى أن اللون محدد بمشتقات الألوان الثلاثة التي ذكرتُ تعبيرا عن أنه يعيش هذه المشاعر تزامنا مع مجتمعه المصبوغ بهذه الحالة الشعورية فنراه مجتمعاً قاسياً بارداً جشعاً لا مبدأ له تارة مع هذا و تارة مع ذاك، و حتى في لقطاته ضمن منزله كان الدفئ الموجود في التونات ظاهريا مزيفا فهو لم يشعر في بيته بالراحة و لا بالأمان و ما هو إلا تدرج برتقالي لنفس الحالة الانتقالية التي يعيشها الجوكر شعوريا بينما نراه في لقطات أخرى يغلب عليها البرود المزرق المائل للخضرة في رمز لبلادة الإحساس و قسوة المجتمع كالموقف الذي تعرض فيه للإذلال في الزقاق و في عربة الميترو:
و نلاحظ أن ملابس الجوكر تتماشى مع تحولاته النفسية فهو بقي لفترة طويلة مرتديا البرتقالي الترابي دلالة على قبوعه في الحالة الانتقالية لتحوله النفسي لفترة طويلة حتى بدأ طغيان اللونين البرتقالي و الأخضر على لباسه و هيئته العامة تعبيرا عن التطور الذي يعيشه:
ثم مالبث أن تطور إلى تدرجات أقوى من هذه الألوان في رمزية لاقترابه من نقطة التحول:
إلى أن نضجت الشخصية تماما معبرة عن وجودها المستقل و ظهور الجوكر الذي باتت ألوانه أكثر اشباعا و قوة ولكنها مازالت في الحالة الانتقالية نوعا ما إلا أنها اقتربت من نهاية هذا التحول فنرى البرتقالي موجودا بقوة و حل الأحمر محل الأزرق في رمز للغضب و التوحش و الاندفاع اللامنطقي أو الوحشي الذي انتهجته هذه الشخصية في أسلوب حياتها بعد أن تخلص من حزنه و انطوائيته و وحدته و استبدلها بالغضب المرمز إليه بالأحمر:
و إذا انتقلنا إلى النسخة الأقدم عرضا و التي تعرض الجوكر في المراحل المتقدمة من تطورها نرى تحولا جذريا على مستوى اللون و دلالته الشعورية فنرى الأخضر رمز الجشع حاضرا كما كان و عودة للأزرق بقوة في رمز للتبلد و البرود الذي أصاب مشاعر الجوكر فتحول إلى قاتل بارد بدون رحمة مع سخرية هيستيرية إجرامية و نرى ظهورا طاغيا للون البنفسجي الذي يرتبط بالنرجسية و هو أقصى ما وصل إليه الجوكر في حالته النفسية حيث أنه بات مجرما للإجرام فقط!! لا للحصول على المال و لا للحصول على السلطة بل للمتعة و دليل ذلك أنه خاطب في نسخة هيث ليدجر نقيضه باتمان بجملة:
” أتظن أني أريد قتلك !! لا و أين المتعة في ذلك سأشعر بالملل من دونك ” فهو وصل حدا من النرجسية جعلته ينظر إلى نفسه نظرة من هو فوق البشر حتى في تعامله مع باقي المجرمين.
اذا اعتمد المخرجون على اللون كأداة قوية بصريا و شعوريا للترميز للحالة التي عاشها الجوكر في كل مرحلة من مراحل تطوره النفسي من ممثل فاشل مهمش في المجتمع بأطياف برتقالية خضراء و زرقاء باهتة إلى زيادة إشباع هذه الألوان في هيئة الجوكر الأولى و إضعاف تواجد هذه الألوان في محيطه دلالة على تغلب هذه الشخصية بطريقتها الخاصة على تأثير المجتمع عليها وصولا إلى التطور النهائي الذي نرى فيه غيابا للأطياف البرتقالية الانتقالية و حضورا للأخضر و الأزرق و طغيانا للبنفسجي الملكي كرسالة إلى أن هذه الشخصية وصلت أعتى حالات النرجسية الإجرامية و الجشع و تبلد الإحساس.
ماعلاقة كل هذا بالفوتوغراف؟
له كل العلاقة …
إن كنا نريد عملا فوتوغرافيا يخاطب العين و الشعور فعلى المصور أن يتدرب على تقفي هذه التونات و دلالاتها الشعورية في مشهده لا أن يكتفي بضبط مثلث التعريض و توجيه العدسة بالطول البؤري المناسب للقطته التي يراها و تسجيل المشهد فقط، و هذا الأمر يحتاج ثقافة عالية و تغذية بصرية كبيرة في مختلف صنوف التشكيل الكلاسيكية و الحديثة و جهدا أكبر ليستطيع أن يُحمل عمله مضامين شعورية مرتبطة بالتوزيع الكتلي و اللوني للعناصر بحيث تكون جذابة للعين تاركة أثرا في عقل المتلقي باكتمالها من ناحية التعريض و التكوين و اللون سواءٌ كان يصور حياة الشارع أو البورتريه أو غيرها من المحاور و تحتاج الأعمال التشكيلية الفوتوغرافية تخطيطا كبيرا قبل البدء في عملية بناء المشهد و ترتيب عناصره للوصول إلى الخطاب البصري و الشعوري الصحيح، لذا على المصور أن يرى اللون كشعور لا كمجرد طيف في الضوء و أن يفهم المدلولات الرمزية لكل لون و العلاقة بين الألوان في التعبير عن المشاعرو الحالة النفسية و يحدد متى يستخدم هذا و متى يستخدم ذاك، و متى يقدم الحار على البارد و متى يقدم البارد على الحار، و متى يزيد اشباع لون و متى يقلله، و أي لون يجب أن يطغى على التون العام
لايجب أن نكتفي بالتكنيك فهو يقدم عملا صحيحا من الناحية التقنية و لكنه مع الوقت يأخذ المصور إلى أن يكون آلة كما كاميرته يعكس المشهد بلا تفكير في رمزية ما يمكن أن يقدم من تعابير و حالات نفسية و شعورية لو أنه فقط نظر أبعد قليلا من مجرد مثلث التعريض.
لذا سأعيد السؤال:
من هو الجوكر، من هو الورقة الرابحة في الفوتوغراف؟
أترك لكم الجواب.
أترك لكم الجواب.